محمد محمد أبو ليلة

54

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

وينكرها ، وهو مع ذلك يحاول عبثا ، أن ينتزع من القرآن بعض الشواهد ، التي يتخيل أنها تؤيد دعواه ، وتموه على قرّائه ، وتغلف مقصده الحقيقي من وراء هذا الزعم اللدود . إنه بهذا يشكك في القرآن ، وينكر معجزات النبي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والأنبياء من قبله ؛ أضف إلى ذلك ، تسليم المستشرق الجازم ، بصحة موقف الكفار من محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والقرآن ؛ مع أن القرآن هو مصدر الحديث عن هذا كله ؛ ولكن ويلش يستعمل الدليل الواحد لتأييد الشيء ونقيضه ، إنه لم يعتبر طبيعة أسلوب الكفار في طلب المعجزة ، وتفنيد القرآن لهم ، ورده عليهم ؛ كل ما شغله ، هو إنكار أن يكون النبي صلى اللّه عليه وسلم قد صنع معجزة كعيسى وموسى من قبله ، هذا هو موقف المنصرين والمستشرقين الجامد من نبوته صلى اللّه عليه وسلم ؛ إنهم يزعمون أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يكن نبيا ، ولا صانع معجزات ، هذا مع تواتر النقل بأن كثيرا من المعجزات ، قد وقعت للنبي صلى اللّه عليه وسلم في مكة ، وفي المدينة ، بطلب من الكفار ، وبدون طلب والشواهد على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة ، ولكن المقام لا يتسع لأكثر من الإشارة والإحالة . إن لفظة " آية " لم يتحول عن معناه إلى معنى آخر ، كما يزعم ويلش ، وبخاصة للسبب الذي رآه ، بل ظل هو هو في أصل اللغة ، وفي استعمال علماء القرآن ، يعبّر به عن الجزء من القرآن ، وعن المعجزة ؛ وقد فات الكاتب - ولا نلومه في ذلك - أن لفظتي " معجزة " ، و " خارق " لم يستعملهما القرآن البتّة ، وإنما استعمل مادتهما فقط ، وذلك لأن لفظة " آية " فيما نقدّر أدلّ على ثبات المعجزة ، وعلى عمومها ، وتناهيها في الإعجاز ، وعلى استمرار أثرها في النفوس من لفظة " معجزة " وأيضا لاشتمال لفظة " آية " على معنى الاستمرار ، وطلب التأمل العقلي ، بخلاف لفظ " معجزة " . إن معجزات محمد صلى اللّه عليه وسلم لم تنقطع البتّة ، لا في حياته ، ولا بعد مماته ؛ فبقاء القرآن ، وسلامته ، وكذلك بقاء سنته ، وأمته ، من معجزاته الدائمة صلى اللّه عليه وسلم . يدعى ويلش بالإضافة إلى ما سبق " أن علماء المسلمين المتأخرين ، قد فسروا كلمة " آية " بمعنى " الجزء من القرآن " ، هذا مع أن حجم " الآية " غير محدد ، والقرآن نفسه لم يقدم أي إشارة في هذا الصدد " ؛ ولسنا نرى أيّ علاقة بين تحديد حجم " الآية " ومعناها في القرآن ؛ وعلى أن " الآية " بمعنى " الطائفة من القرآن " ، قد وردت في الكتاب العزيز مقترنة بالوحي ، والتنزيل ، والتلاوة ، مما يؤكد قدم اللفظة ، وصدق معناها الذي وضعت له ؛